السيد كمال الحيدري
80
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
هكذا ننتهى إلى أنّ الوجود محتاج إلى العلّة غير منقطع عنها حدوثاً وبقاءً ، خلافاً لما ذهب إليه المعتزلة من أنّ الحاجة للعلّة حدوثاً دون البقاء . وبإبطال هذا الأصل الموضوعي ، ينهار الأساس العقلي لنظرية التفويض التي ذهبت إلى استقلال الفعل الإنسانى بالمطلق من دون حاجة إلى إمداد . 2 المستوى النقلي تتعارض نظرية التفويض الاعتزالى مع القرآن الكريم من وجوه عدّة ، يمكن الإشارة لأهمّها كما يلي : أوّلًا : يثبت القرآن صراحة دونما لبس أنّ الله سبحانه هو المالك والقادر على كلّ شئ ، تتحكّم إرادته ومشيئته في الوجود برمّته . في ضوء هذه القاعدة لا يصحّ استثناء شئ وإخراجه من تحت القدرة والسلطنة الإلهية ، أو افتراض أنّه يقع بعيداً عن المشيئة والإرادة الإلهية . يقول الله سبحانه عن المشيئة : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 1 » ، فلابدّ لأىّ مشيئة تصدر عن الإنسان أن تكون مسبوقة بمشيئة إلهيّة . وعن القدرة يقول سبحانه : وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ « 2 » ، والفعل الإنسانى شئ ، فتشمله القدرة الإلهية المطلقة ، إذ لا معنى أن يكون خارج نطاق هذه القدرة . وعن المالكية المطلقة يقول سبحانه : لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ « 3 » ، فهذه وما فيهنّ وما بينهنّ وما تحتهنّ وما فوقهنّ كلّه لله سبحانه ، أفيعقل بعدئذ أن يخرج الفعل الإنسانى عن دائرة هذه الملكية ! لا ريب أنّ في الكتاب العزيز آيات محكمة كثيرة تقطع بهذه الدلالة على
--> ( 1 ) التكوير : 29 . ( 2 ) المائدة : 120 . ( 3 ) البقرة : 107 .